يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
317
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه . ومثله قال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثيابي حياء من ربي . وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه في خطبته : يا معشر المسلمين استحيوا من اللّه فوالذي نفسي بيده إني لأظل فما أذهب إلى الغائط في الفضاء إلا وأنا مقنع بثوبي استحياء من ربي . انظر قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه وكثرة استحيائه ، واذكر قول بعض الأعراب وقلة حيائه وكان يسرق الإبل من أربابها ، ويأتي البيوت من غير أبوابها ، فلكثرة لصوصيته وقلة خصوصيته كان يطوف والحبل في يده وينشد في تردده : وإني لأستحيي من اللّه أن أرى * أطوف بحبل ليس فيه بعير وأن أسأل المرء اللئيم بعيره * وبعران ربي في البلاد كثير أتراك يا ابن الماء لو أقسمت بأعظم الأسماء أن بينهما ما بين الأرض والسماء ؛ أكنت حانثا عند العلماء أو الحكماء . رضي اللّه عن أبي بكر الكثير الحياء والستر ، وتاب على ذي المكر أخي الخيانة والختر . وجاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه . وفي حديث آخر : الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار . وفي حديث آخر : لكل دين خلق ، وخلق الإسلام الحياء ، فمن لا حياء له لا دين له . وفي رقائق ابن المبارك رضي اللّه عنه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كلكم يحب أن يدخل الجنة . قالوا : نعم جعلنا اللّه فداك . قال : فاقصروا من الأمل ، وثبتوا آجالكم بين أبصاركم واستحيوا من اللّه حق الحياء . قالوا : يا رسول اللّه كلنا نستحيي من اللّه . قال : ليس كذلك الحياء من اللّه ، ولكن هو أن لا تنسوا المقابر والبلا ، ولا تنسوا الجوف وما وعى ، ولا تنسوا الرأس وما احتوى ، ومن يشته كرامة الآخرة يدع زينة الدنيا ، هنالك استحيا العبد من ربه ، هنالك أصاب ولاية اللّه . كما جاء في الحديث : الحياء شعبة من الإيمان . وقال ابن قتيبة : إنما جعله من الإيمان وهو غريزة لأن المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي وإن لم تكن له تقية ، فصار كالإيمان الذي يقطع عنها . وسأل رجل الحسن فقال : يأتيني الرجل وأنا أمقته ما أعطيه إلا حياء فهل لي في ذلك من أجر ؟ . قال : إن ذلك من المعروف ، وإن في المعروف لأجرا . وفي الشهاب : إذا لم تستح فاصنع ما شئت . بمعنى : أتيت ما يقبح ولم تستح .